كلفة الاغتراب الثقافي وأهمية النضج الاستراتيجي في قطاع التسويق السعودي

الاقتصاد السعودي يشهد تحولات متسارعة تتطلب نضجاً موازياً في قطاع التسويق والاتصال المؤسسي، لتجاوز الممارسات التقليدية. في هذا السياق، ترى نجلاء عبداللطيف علي، مسؤول تخطيط استراتيجي في شركة تي بي دبليو أيه/رعد، أن السوق بحاجة ماسة لإنهاء الاغتراب الثقافي في صناعة الإعلان وبناء منظومة تدمج بين الأصالة المحلية والمنهجيات العالمية. ويؤكد هذا الطرح أن الفَهم الدقيق للسوق السعودي هو الأساس لتحقيق عائد مستدام ونمو فعّال.

هل يُعقل في عام 2026، أن تستمر بعض الإعلانات في تقديم أخطاء لغوية وثقافية؟ هذا التساؤل لا يتعلق بالتفاصيل الشكلية بقدر ما يفتح نقاشاً أوسع حول آليات إنتاج العمل الإبداعي واعتماده. في المقابل، يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية، وهو «لماذا لا تحصد بعض الأعمال السعودية المتميزة حضوراً في الجوائز العالمية بما يتناسب مع جودة ما تقدمه؟»، ما بين السؤالين مساحة مشتركة تؤدي إلى قضية أعمق تتعلق بمعايير التقييم وآليات الانتقاء ومدى انعكاس جودة السوق المحلي على حضوره الخارجي.

من هذا المنطلق، ومن منظور الكوادر المهنية الشابة التي تنخرط اليوم بقوة في صياغة العمل ضمن قطاع التسويق، تتضح ملامح أزمة هيكلية تتطلب مواجهة شفافة وصارمة؛ ففي خضم الزخم الاقتصادي ومرحلة التحول المتقدمة التي نعيشها اليوم، يبدو من غير المنطقي استمرار الموافقة على حملات إعلانية تشوبها أخطاء لغوية فادحة، أو هفوات ثقافية واضحة. ولا يمثل هذا الانفصال عن الواقع مجرد حالات فردية عابرة يمكن تجاوزها، بل يعكس نمطاً متكرراً من الاستخدام غير الدقيق للهجات والمحاولات السطحية لمواكبة السياق الاجتماعي من دون استيعاب حقيقي لجذوره. وتمثل هذه الأعمال الضعيفة هدراً صريحاً للميزانيات التسويقية، من الناحية الاقتصادية والتجارية، وتطرح تساؤلات جادة حول معايير الحوكمة والتدقيق التي تحكم آليات اتخاذ القرار لدى صناع العلامات التجارية. ورغم بروز أعمال سعودية مبدعة وجادة، إلا أن القطاع لا يزال بحاجة إلى مستوى كافٍ من النضج يؤهله لاحتكار مقاعد الصدارة بما يتناسب مع حجم السوق، ويستدعي ذلك إعادة تقييم شاملة لأسس بناء العمل الإبداعي.

 

بين الثقافة والاستراتيجية.. فجوة تعيد تشكيل سوق العلامات التجارية

تتطلب معالجة هذه الفجوة الاستثمارية تجاوز النظرة الأحادية، وتفكيك أداء اللاعبين الرئيسين لضمان توازن السوق؛ فعلى صعيد الوكالات المحلية، فإنها تمتلك ميزة تنافسية نوعية تتمثل في الفَهْم العميق للثقافة المحلية، ورصد السلوك الاستهلاكي، وإدراك التفاصيل الجوهرية للمجتمع السعودي، وهو ما يشكل «رأس مال ثقافي» بالغ الأهمية. لكن هذا التفوق الثقافي يصطدم أحياناً بقصور في البُنية الاستراتيجية، حيث تبرز الحاجة الملحة لتأسيس وتطوير أقسام تخطيط قادرة على تحويل الرؤى الثقافية إلى أطر عمل مؤسسية متينة.

ويتطلب الارتقاء بالمنتج الإبداعي المحلي تجاوز الحملات المباشرة التي تستهدف مجرد رفع مستوى الوعي بالعلامة التجارية، والتوجه نحو صياغة حلول تسويقية معقدة تعالج تحديات سلوكية وتجارية أعمق، ما يمنح هذه الأعمال ترابطاً منطقياً وقدرة على تحقيق حضور مستدام في السوق.

 

أوجه القصور لدى الوكالات العالمية

تدخل الوكالات العالمية إلى السوق بخبرات تراكمية ومنهجيات تشغيلية متقدمة، إلا أنها سرعان ما تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها المضافة عندما تتعاطى مع المشهد السعودي استناداً إلى افتراضات استثمارية قديمة أو قوالب نمطية جاهزة. وتتضح هذه الإشكالية في أروقة العمل عندما يغيب الاستثمار الحقيقي في البحث والفَهْم العميق للسوق، أو حين يتم التعامل مع الكوادر السعودية بوصفهم عنصراً لاحقاً في التنفيذ بدل أن تكون جزءاً من التأسيس منذ البداية، وهو تقييم منهجي خاطئ يفسر أسباب تعثر العديد من العلامات التجارية الكبرى في تحقيق حضور ملموس. ويظهر هذا القصور في غياب الاستثمار الجاد في أبحاث السوق، وتهميش دور المبدعين السعوديين في مراحل التأسيس الاستراتيجي والعصف الذهني. وبدلاً من ذلك، يتم إشراك العنصر السعودي في النهايات، وكأن دوره يقتصر على «سعودة» العمل بعد اكتماله. وعندها، يظهر العمل ضعيفاً من جذوره ويفتقر إلى الذكاء والإبداع والمصداقية المطلوبة لبناء الثقة.

ويأخذ هذا التحدي بُعداً آخر في إدارة الحسابات الإقليمية تحت مسميات عامة، مثل «الشرق الأوسط»، أو «العالم العربي»، وكأن المنطقة كتلة ديموغرافية واقتصادية متجانسة؛ فكيف يمكن لحساب واحد أن يخاطب هذا التنوع الكبير في اللهجات والثقافات والسلوكيات؟ وكيف يمكن أن يكون قريباً من الجمهور؟

إن المملكة العربية السعودية تستحق حضوراً مخصصاً، وحسابات تواصل تعكسها بدقة، وصوتاً قريباً منها، لا أن تُدمج ضمن إطار عام يُضعف صلتها بالجمهور ويُصعّب في الوقت ذاته مهمة العلامات التجارية.

هذا الطرح لا يهدف إلى إذكاء الصراع بين الموارد المحلية والخبرات العالمية (محلي ضد عالمي)، بل يرمي إلى رسم خريطة طريق لتكامل استراتيجي؛ فالخبرات المحلية قوية في استيعاب الرؤى الثقافية العميقة، في حين تبرع الوكالات العالمية في هندسة البناء المؤسسي العابر للحدود. وما يحتاج إليه القطاع اليوم لتحقيق هذا التناغم، الانفتاح بشكل أكبر على التعلم وفَهْم السوق المحلي من الداخل وشجاعة في اتخاذ القرارات الحاسمة وتقبل النقد، فضلاً عن بيئة مهنية تُحفز النمو والتطور، بعيداً عن ثقافة المجاملات.

تقول نجلاء علي: «السوق السعودي اليوم سوق شاب، يفيض بالطاقة والأفكار الطموحة. وما نعيشه من تحوّلات يمثّل فرصة نادرة قد لا تتكرر. لذلك، يقع على عاتقي وعاتق زملائي السعوديين في الوكالات العالمية على حد سواء مسؤولية الارتقاء بمعايير التنافسية، والدفع نحو إنتاج أعمال تتسم بالأصالة والذكاء والصدق، خالية من الأخطاء قدر الإمكان».