الشراكات التسويقية في المملكة.. ما الذي يصنع الفارق؟

في خضم التحولات التي يشهدها السوق السعودي، يؤكد ماجد النحوي، الشريك المؤسس لوكالة راوي للإنتاج، أن دور الشريك التسويقي لم يعد تقليدياً، أو قائماً على التخصص وحده، بل أصبح يتطلب فَهْماً أعمق للسوق، ومرونة في الأداء وقدرة على مواكبة واقع متغير يعيد تشكيل قواعد العمل باستمرار.

أعادت التحولات المتسارعة والنمو الذي يشهده السوق السعودي اليوم تشكيل فَهْمي لطبيعة العمل بوصفي شريكاً فاعلاً في مجال التسويق والاتصال والمتطلبات لهذا الدور، وذلك بالاستناد إلى تجربتي خلال العامين الماضيين. وقد تبلور هذا التحوّل من خلال مقارنة مباشرة مع سنوات الممارسة التي أمضيتها في سوق الولايات المتحدة الأميركية، حيث تشكلت مسيرتي المهنية على أساس التخصص العميق، قبل أن أكتشف أن النجاح في المملكة العربية السعودية يتطلب إعادة تعريف هذا الأساس بالكامل.

منذ عودتي واستقراري في المملكة العربية السعودية عام 2023، شرعت في إعادة تشكيل منهجي المهني عبر التعامل مع جهات مختلفة في السوق المحلي. وعلى الرغم من أن هذه التجربة قد لا تنطبق على كل الحالات، إلا أنها، في تقديري، تعكس تحوّلاً أوسع في طبيعة العمل كما يتضح اليوم.

هذا التحوّل بدا واضحاً بعدما عمدت إلى مقارنة تجربتي هنا بما كنت أختبره داخل وكالات التسويق في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كانت متطلبات المتعاملين وما يقدّرونه يتركّز بالدرجة الأولى على التخصص.

يبحث المتعامل هناك عن خبرة محددة في مجال معيّن، ويتوقع دعماً مُركزاً ومُتقناً ضمن نطاق واضح. لذلك، تُبنى فرق العمل بحيث يكون لكل فرد دور محدد وخبرة متخصصة. كذلك، تسهم كل من الاستراتيجية، والإبداع، والإعلام، والتحليل، ضمن مجالات قائمة بذاتها، لكل منها فرقها وخبراؤها، وتتكامل جميعها ضمن إطار منظم لتقديم قيمة مباشرة ودقيقة للمتعامل.

ديناميكية التحوّل المهني في ظل رؤية 2030

في ظل رؤية 2030، لم يعد التحوّل المهني خياراً، بل أصبح ضرورة تتطلب مرونة عالية وإعادة تشكيل مستمرة للخبرات والأدوار لمواكبة بيئة العمل الديناميكية والمتغيرة بشكل سريع، الأمر الذي جعلني أدرك أن النهج الذي اعتدت عليه في بيئات العمل السابقة، لا يُترجم بالطريقة نفسها في السوق السعودي، ليس لأنه غير صحيح، بل لأن البيئة مختلفة تماماً؛ فسوق المملكة العربية السعودية يشهد مرحلة تحوّل متسارعة، حيث يتم تأسيس قطاعات جديدة، وأخرى يُعاد تشكيلها وتتوسع في الوقت نفسه، فيما تتطور خبرات العاملين والأنظمة والعمليات بشكل متزامن. ويتجلّى ذلك بوضوح منذ أول مشروع عملت عليه، حيث كنت أعمل مستشاراً في مكتب التواصل المؤسسي داخل إحدى الجهات الحكومية الكبرى. نظرياً، كان الدور مُحدداً، لكن من الناحية العملية، كان يتسع باستمرار. شاركت في اتخاذ قرارات التوظيف، ومراجعة الميزانيات، وتقييم عروض الوكالات الإبداعية، ومراجعة المخرجات، إلى جانب مهام خبرتي التي أُجيدها في الأساس، مثل تطوير استراتيجيات الاتصال المؤسسي وقياس أثرها. كما انخرطت في مراجعة المواد المطبوعة والتجارب الميدانية.

الشريك الاستراتيجي.. من التخصص إلى القيادة في السوق السعودي

بدأ الشريك الاستراتيجي في إعادة تعريف دوره في السوق السعودي؛ فلا تقتصر مسؤولياته على مجال محدد، بل تمتد لتشمل ربط مسارات متعددة، وتوجيه القرارات عبرها، والتعامل مع احتياجات متداخلة في آن واحد. ويتجلى هذا الواقع الاقتصادي والعملي بوضوح من خلال ممارسة الخدمات الاستشارية بشكل مباشر داخل المنظومات المؤسسية والجهات الحكومية الكبرى في المملكة، إذ إن الدور الذي قد يبدو محدداً ومؤطراً في النطاق النظري لاستراتيجيات الاتصال والتسويق، سرعان ما يتوسع أفقياً وعمودياً في الواقع التشغيلي.

في هذا الإطار، يجد الشريك الاستراتيجي نفسه منخرطاً في التنقل بين مختلف المجالات، وفَهْم الصورة الأوسع، والإسهام في دفع العمل قُدُماً، حتى في ظل غياب الوضوح الكامل أحياناً.

وقد انعكس هذا التحول مباشرة على مفهوم القيمة في عمل الوكالات التسويقية، إذ لم يعد المعيار يقتصر على التعمق في مجال واحد وحسب، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على استيعاب الصورة الكلية وربط عناصرها، واتخاذ قرارات متناسقة عبرها. فالقيمة لا تأتي من تقديم إجابات دقيقة ضمن نطاق محدد، بل من القدرة على التعامل مع أسئلة غير مكتملة، وتوجيه العمل رغم غموض بعض المعطيات. ومع مرور الوقت، أصبح هذا النهج هو الأساس الذي يُقاس من خلاله دور الشريك، حيث تُقاس الفاعلية بمدى القدرة دفع العمل قُدُماً،
لا بمجرد إتقانه ضمن حدود ضيقة.

وفي تقديري، هذا ما يبحث عنه السوق السعودي اليوم؛ ففي كثير من الحالات، المتعامل لا يسعى إلى متخصص في جانب واحد فقط، بل عمن يمتلك القدرة على دعم اتخاذ القرار ضمن منظومة مترابطة، في وقت لا تزال فيه الأنظمة والفرق في مرحلة التطوير.

كثير من الجهات الدولية تواجه تحديات غير مسبوقة عند دخول السوق السعودي، ولا يقتصر الفارق على اللغة أو الثقافة، بل يمتد ليشمل أسلوب العمل وطبيعة التفاعل بين الفِرق.

كما ينعكس هذا الواقع على معاييرنا في تقييم المواهب واختيار الشركاء من الوكالات؛ فالنجاح في هذه البيئة لا يعتمد على عمق التخصص وحده، بل على المرونة، والقدرة على التعامل مع الغموض، والاستمرار رغم التحديات. وتظل القدرة على العمل ضمن مساحات غير مكتملة، وفَهْم التعقيدات، ودفع العمل قُدُماً، العامل الفاصل بين النجاح والإخفاق.