كيف شكّلت الإعلانات التجارية ملامح السينما السعودية الحديثة؟

المخرج السينمائي أنور رمضان يطرح رؤية تعتبر الإعلانات التجارية البُنية التحتية التي قامت عليها تجارب عدد من صناع الأفلام السعوديين، حيث وفّرت الإعلانات التمويل والخبرات المهنية داخل السوق.

مثّلت الإعلانات التجارية الحاضنة الاقتصادية والتشغيلية الأكثر استقراراً لصناع الأفلام السعوديين الراغبين في العمل على مستوى احترافي، إذ لم تكن الكاميرات تتوقف عن الدوران فيها بفضل ما توفره من تمويل مستدام في بيئة غابت عنها الاستثمارات السينمائية. ومع نضوج السوق ونمو قطاع السينما السعودي، تبرز الحاجة اليوم إلى ضرورة إعادة التوازن بين كفاءة الإنتاج التجاري وبناء مسار إبداعي مستقل يرسّخ هوية القطاع السينمائي ويضمن تطوره على المدى الطويل.

لقد أدت الإعلانات، لفترة طويلة، وظيفة لم تستطع صناعة السينما السعودية أن تؤديها دائماً بالقدر نفسه من الاستقرار. ففي وقت كان تمويل الأفلام أكثر صعوبة، وكانت الإنتاجات الكبرى أقل حضوراً، وفرت الإعلانات ما تحتاج إليه أي صناعة ناشئة، ألا وهو الاستمرارية. من داخل هذه البيئة، تعلمت طواقم العمل وصقلت مهاراتها، وتدرب المخرجون، وتطورت أساليب العمل، ونمت المعايير الإنتاجية التي أصبحت لاحقاً جزءاً من اللغة المهنية الأوسع نطاقاً للصناعة السينمائية.

ولم يكن ذلك استثناءً محلياً بقدر ما كان جزءاً من مسار معروف في تاريخ الصناعة العالمية. فقد بدأ المخرجان الكبيران ريدلي سكوت وتوني سكوت مسيرتهما في صناعة الإعلانات. كما تنقل المخرج جوناثان غلايزر بين الإعلان والسينما، وامتلك سبايك جونز وميشيل جوندري كثيراً من حساسيتهما الإبداعية عبر الإعلانات وإخراج الأغاني في أعمال فيديو موسيقية. وتكشف هذه النماذج أن صناعة الإعلان عبارة عن مختبر مكثف لتطوير الحس البصري الإبداعي والانضباط التنفيذي والقدرة على تحويل الفكرة إلى صورة مؤثرة.

صناعة الإعلان حاضنة لصناعة الفيلم

تتجلى هذه العلاقة بوضوح في تجربة أنور رمضان عند إخراج فيلمه القصير «الباب الثالث»؛ فلم يبدأ العمل من فراغ، ولم يتشكل طاقمه من خارج الشبكة المهنية القائمة، بل استند إلى علاقاته التي تشكلت داخل قطاع الإعلانات، حيث جاء المنتج المشارك ومدير التصوير ومصمم الإنتاج والمخرج الفني، ومعظم من شاركوا في موقع التصوير، من عالم الإعلانات. وما إن طرح عليهم فكرة صنع فيلم حتى أبدوا حماستهم، وكأن المشروع يفتح باباً مؤجلاً منذ زمن. ويكشف هذا المثال جانباً مهماً من اقتصاد الصناعة الإبداعية؛ فالإعلان لا يموّل فقط، بل يراكم رأس مال بشرياً وتقنياً يمكن إعادة توظيفه في مشاريع أكثر استقلالية. من هنا، لم يكن العمل في الإعلانات مجرد خلفية مهنية للفيلم السينمائي، بل الشرط العملي الذي جعله ممكناً، غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في الانتقال من الإعلان إلى السينما فحسب، بل في الرغبة في التحرر ومن الحاجة المستمرة إلى تبرير كل قرار إبداعي.

كفاءة العمليات التشغيلية وتأثيرها في جودة المنتج السينمائي

تتجاوز عملية انتقال التأثير من الإعلانات إلى السينما حدود المهارات التقنية، لتشمل أيضاً عادات العمل وأساليبة. ويمكن رصد هذا الأثر بوضوح في الطريقة التي تُصنع بها بعض الأفلام السعودية؛ أيام تصوير متسارعة، وضغط دائم للتحرك بسرعة، وسعي مستمر لإنجاز أكبر قدر ممكن من العمل في أقصر وقت ممكن. يأتي هذا الإيقاع مباشرة من طبيعة العمل في مواقع تصوير الإعلانات، حيث تُعد السرعة جزءاً من المعادلة الاقتصادية للإنتاج.

ويمتد الأثر إلى العملية الإبداعية نفسها، حيث تظهر نزعة نحو الوضوح، ووصول الفكرة بسرعة، والإيقاع الذي لا يسمح بكثير من التردد أو المساحات المفتوحة. في بعض الحالات، لا تبدو المشكلة في أن الفيلم يصبح سطحياً من حيث الحكاية فقط، بل في أنه يُصنع بمنطق إعلان تجاري طويل المدة؛ كل شيء يتحرك إلى الأمام من دون توقف، وكل لحظة مطالبة بأن تكون لافتة ومباشرة وفعالة. وهنا تحديداً، تضيق المساحة التي تسمح لصناعة السينما أن تؤدي دورها الجمالي والدرامي.

ولا يتوقف هذا التأثير عند التصوير، بل يمتد إلى مرحلة ما بعد الإنتاج، حيث يبدو تحرير الفيلم (المونتاج) أحياناً وكأنه امتداد لآلية معالجة فيديو إعلاني مطوّل؛ مواعيد تسليم قصيرة، ووتيرة إنجاز مرتفعة، وقرارات تُتخذ تحت الضغط، والنتيجة تبقى ذاتها؛ يتراجع الوقت المتاح للتأمل في المادة المصورة، وإعادة اكتشاف الفيلم الكامن داخل اللقطات. كما تتشابه ديناميكيات العمل حين يبدأ الاستوديو في التصرف كأنه «متعامل»، تتوالى ملاحظاته وتعديلاته، وتتحول العملية من استكشاف عمل فني إلى ضمان توافقه مع سلسلة من التوقعات المسبقة. عند هذه النقطة تصبح الكفاءة المهنية معياراً أساسياً لتحقيق تقدم، بينما تخسر السينما.

لا يحمل هذا التشخيص حكماً سلبياً على صناعة الإعلانات، ولا يفترض وجود خصومة بينها وبين السينما؛ فلكل منهما وظيفة مختلفة، وكلاهما ضروري للوصول إلى المرحلة الراهنة؛ فقد أسهمت الإعلانات في بناء جزء مهم من الصناعة السينمائية، ووفرت الفرص والخبرة والمهارة، وأعطت كثيراً من العاملين فيها نقطة انطلاق لم تكن متاحة عبر السينما وحدها. لكن مع نضج التجربة السينمائية في السعودية يبرز سؤال أكثر دقة وإلحاحاً: «ما الذي ينبغي أن تحتفظ به السينما من عالم الإعلانات؟، وما الذي يفترض أن تتحرر منه؟». يقول أنور رمضان: «لقد ذكّرني عملي على فيلم «الباب الثالث» بهذا التوازن»، وأضاف: «استفاد الفيلم كثيراً من خبرة الفريق في عالم الإعلانات، لكن أكثر لحظاته صدقاً جاءت حين ابتعدنا عن تلك العقلية، وتمهّلنا قليلاً، وجرّبنا، وقبلنا بضرورة عدم امتلاك كل الإجابات منذ البداية. حينها فقط، بدأ الفيلم يتشكّل بصورته السينمائية الحقيقية».

وهكذا، بين صناعة وفرت البنية المهنية التحتية، وفن سابع يبحث اليوم عن مكانه، تقف السينما السعودية عند عتبة الاختيار.